بين حماية الحقوق وتعزيز الأمن الدولي.. نقاشات معمّقة في مجلس حقوق الإنسان حول مكافحة الإرهاب

بين حماية الحقوق وتعزيز الأمن الدولي.. نقاشات معمّقة في مجلس حقوق الإنسان حول مكافحة الإرهاب
من فعاليات الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف

شهدت الدورة الحادية والستون لمجلس حقوق الإنسان في جنيف نقاشات واسعة حول العلاقة المعقدة بين مكافحة الإرهاب وحماية الحقوق الأساسية، في ظل تصاعد التحديات الأمنية على المستوى الدولي.

وفي هذا السياق، شددت الدول المشاركة على ضرورة تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن واحترام المعايير الدولية، مؤكدين أن مواجهة الإرهاب لا ينبغي أن تتم على حساب المبادئ الأساسية للقانون الدولي والعدالة.

وجاءت المداولات خلال الاجتماع الخامس والعشرين لمجلس حقوق الإنسان، في إطار البند الثالث، ضمن الحوار التفاعلي مع المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب، البروفيسور بن سول، وذلك كجزء من أعمال الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان. 

تحديات تطبيق تشريعات مكافحة الإرهاب

وعرض المقرر الخاص تقريره السنوي الذي تناول فيه التحديات الراهنة المرتبطة بتطبيق تشريعات مكافحة الإرهاب، إضافة إلى نتائج زياراته الميدانية لعدد من الدول، من بينها الصومال وكوت ديفوار.

وفي مستهل مداخلته، أشار بن سول إلى أن العام الحالي يصادف الذكرى العشرين لاعتماد الاستراتيجية العالمية للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، وهي الاستراتيجية التي أكدت منذ اعتمادها على أن حماية الحقوق الأساسية تمثل ركناً أساسياً في أي جهد دولي لمواجهة التطرف العنيف، إلا أنه حذر في الوقت ذاته من أن العالم يشهد، خلال السنوات الأخيرة، تراجعاً مقلقاً في احترام القانون الدولي، حيث تُستخدم في بعض الأحيان تشريعات مكافحة الإرهاب لتبرير انتهاكات واسعة النطاق أو إجراءات استثنائية تتجاوز الضوابط القانونية.

وأوضح المقرر الخاص أن العديد من النزاعات والتوترات الدولية أظهرت كيف يمكن توظيف خطاب مكافحة الإرهاب لتبرير تدخلات عسكرية أو إجراءات أمنية واسعة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية وتقويض الثقة في النظام الدولي. كما أشار إلى أن بعض الدول اتجهت إلى اعتماد تعريفات فضفاضة أو مبهمة للإرهاب، وهو ما يفتح المجال أمام إساءة استخدام التشريعات المحلية واستهداف المجتمع المدني أو الصحفيين أو المدافعين عن الحقوق الأساسية.

أثر السياسات الأمنية المشددة 

وتناول التقرير أيضاً أثر السياسات الأمنية المشددة على الفضاء المدني، حيث أشار إلى أن قوانين مكافحة الإرهاب في عدد من الدول أدت إلى فرض قيود على عمل المنظمات الإنسانية ووسائل الإعلام، بل واستخدامها أحياناً لملاحقة ناشطين أو معارضين سياسيين. وفي هذا السياق، شدد المقرر الخاص على ضرورة أن تكون القوانين الوطنية متوافقة مع مبادئ الشرعية والتناسب والضرورة وعدم التمييز، بما يضمن حماية الحقوق وعدم استخدامها كذريعة لتقييد الحريات.

الصومال.. دولة تواجه تهديداً إرهابياً

وفي إطار زياراته القطرية، استعرض بن سول نتائج زيارته إلى الصومال، التي وصفها بأنها مثال مهم على دولة تواجه تهديداً إرهابياً كبيراً وتسعى في الوقت ذاته إلى تعزيز مؤسساتها القانونية والحقوقية. 

وأوضح أن الحكومة الصومالية اعتمدت نهجاً شاملاً يجمع بين إنفاذ القانون والعمليات العسكرية ومعالجة الأسباب الجذرية للتطرف، من خلال برامج التنمية وبناء مؤسسات الدولة.

وأشار التقرير إلى أن الصومال أحرز تقدماً ملحوظاً في تحديث تشريعاته، بما في ذلك اعتماد قانون لمكافحة الإرهاب وقانون لتنظيم عمل وكالة الاستخبارات والأمن الوطنية، إضافة إلى إطلاق استراتيجية وطنية لمنع التطرف العنيف.

 كما تم إنشاء اللجنة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان، وهي خطوة اعتبرها المقرر الخاص مهمة لتعزيز آليات الرقابة والمساءلة.

ومع ذلك، أكد التقرير أن التحديات ما تزال كبيرة، إذ تواجه الصومال تهديدات مستمرة من الجماعات المسلحة، فضلاً عن التحديات المرتبطة بالنزوح الداخلي والعنف ضد المدنيين، بما في ذلك تجنيد الأطفال والعنف الجنسي ضد النساء والفتيات. ولهذا دعا المجتمع الدولي إلى تعزيز دعمه للصومال من خلال المساعدات الإنسانية والإنمائية، إضافة إلى تقديم الدعم الفني لتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية.

نهج متوازن في كوت ديفوار

كما استعرض التقرير تجربة كوت ديفوار في مواجهة الإرهاب، حيث أشاد بالنهج المتوازن الذي تتبعه الحكومة، والذي يجمع بين تعزيز الأمن وتوسيع حضور الدولة في المناطق النائية، إلى جانب دعم التنمية الاقتصادية ومعالجة النزاعات المحلية بوسائل سلمية. وأكد أن هذا النهج يسهم في الحد من الظروف التي قد تؤدي إلى انتشار التطرف العنيف، ويعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

وأشار بن سول إلى أن كوت ديفوار أبدت انفتاحاً كبيراً على التعاون مع آليات الأمم المتحدة، بما في ذلك السماح بالوصول إلى المؤسسات ذات الصلة وإجراء حوارات مع المسؤولين الحكوميين ومنظمات المجتمع المدني. كما لفت إلى الدور الذي تلعبه الأكاديمية الدولية لمكافحة الإرهاب في رفع كفاءة قوات الأمن وتعزيز ثقافة احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.

تعريف الإرهاب

ومن بين أبرز القضايا التي ركز عليها التقرير مسألة تعريف الإرهاب، حيث أكد المقرر الخاص أن غياب تعريف دولي واضح ومتفق عليه يظل أحد التحديات الرئيسية أمام التعاون الدولي في هذا المجال. 

وأوضح أن التعريفات الوطنية الفضفاضة قد تؤدي إلى انتهاكات خطيرة، إذ تسمح بتوسيع نطاق الإجراءات الاستثنائية وتطبيقها على حالات لا ترقى إلى مستوى الجرائم الإرهابية.

وفي هذا السياق، استعرض التقرير تعريفاً نموذجياً للإرهاب يستند إلى قرارات مجلس الأمن والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ويقصر مفهوم الإرهاب على الأفعال الإجرامية الخطيرة التي تهدف عمداً إلى التسبب في وفاة أو إصابة جسيمة أو احتجاز رهائن بهدف بث الرعب بين السكان أو إجبار حكومة أو منظمة دولية على اتخاذ قرار معين. وأكد أن اعتماد تعريف دقيق يسهم في حماية الحقوق ويحد من إساءة استخدام التشريعات.

كما اقترح التقرير عدداً من الاستثناءات التي ينبغي مراعاتها عند تعريف الإرهاب، من بينها استبعاد أعمال الاحتجاج السلمي التي لا تهدف إلى إلحاق الأذى بالمدنيين، إضافة إلى الأنشطة الإنسانية التي تقوم بها المنظمات المحايدة، وكذلك الأفعال التي تقع في إطار النزاعات المسلحة عندما تكون متوافقة مع القانون الدولي الإنساني.

تقديرات دولية 

وخلال الحوار التفاعلي، أعربت عدة دول ومنظمات إقليمية عن تقديرها للتقرير، مع طرح وجهات نظر مختلفة بشأن كيفية تحقيق التوازن بين الأمن والحقوق،حيث أكد الاتحاد الأوروبي أهمية التعاون مع المقرر الخاص، مشيراً إلى أن التعريفات غير الواضحة للإرهاب قد تؤدي إلى تقييد عمل المجتمع المدني والصحفيين والمدافعين عن الحقوق الأساسية.

وشدد الاتحاد الأوروبي على ضرورة اعتماد تعريفات دقيقة تستند إلى مبادئ القانون الدولي، بما يضمن عدم استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب كأداة لتقييد الحريات الأساسية. كما دعا إلى اتخاذ خطوات عملية لضمان أن تكون التدابير الأمنية متوافقة مع المعايير الدولية وأن تخضع لآليات رقابة فعالة.

تحديات أمنية متزايدة 

من جانبها، أكدت دول أفريقية، من بينها كينيا التي تحدثت باسم المجموعة الأفريقية، أن القارة تواجه تحديات أمنية متزايدة نتيجة انتشار الجماعات الإرهابية في عدة مناطق. وأشارت إلى أن هذه التحديات تتطلب دعماً دولياً أكبر، بما في ذلك الدعم المالي والفني وبناء القدرات، مع مراعاة السياقات الوطنية لكل دولة.

وشددت المجموعة الأفريقية على أهمية تحقيق توازن بين حماية الحقوق ومتطلبات الأمن، مشيرة إلى أن الدول التي تواجه تهديدات مباشرة تحتاج إلى أدوات فعالة للتصدي للإرهاب، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الالتزام بالمعايير الدولية.

مكافحة الإرهاب في فيتنام

بدورها، أكدت فيتنام أن مكافحة الإرهاب تتطلب نهجاً شاملاً يعالج الأسباب الجذرية للتطرف، مثل الفقر وعدم المساواة والنزاعات الاجتماعية. وأوضحت أن بلادها اعتمدت قانوناً لمكافحة الإرهاب منذ عام 2013، وانضمت إلى عدد من الاتفاقيات الدولية في هذا المجال، مع التأكيد على ضرورة احترام سيادة الدول وتجنب المعايير المزدوجة.

أما الهند فقد شددت على أن الإرهاب يمثل أحد أخطر التهديدات للحقوق الأساسية، مؤكدة ضرورة تبني موقف دولي حازم يقوم على عدم التسامح مطلقاً مع الأعمال الإرهابية.

 وأعربت عن تحفظها على بعض المقترحات الواردة في التقرير، معتبرة أن تضييق تعريف الإرهاب أو إدراج استثناءات واسعة قد يؤدي إلى إضعاف جهود الملاحقة القضائية.

اتفاقية شاملة لمكافحة الإرهاب 

وفي المقابل، دعت دول أخرى إلى تسريع الجهود الدولية لاعتماد اتفاقية شاملة لمكافحة الإرهاب في إطار الأمم المتحدة، باعتبارها خطوة ضرورية لتعزيز التعاون الدولي وتوحيد المعايير القانونية.

التزام جماعي بحماية الحقوق 

وفي ختام النقاش، أكد المقرر الخاص أن العالم يمر بمرحلة دقيقة تتطلب التزاماً جماعياً بحماية الحقوق الأساسية وسيادة القانون، مشدداً على أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تكون فعالة ومستدامة إلا إذا استندت إلى احترام الكرامة الإنسانية والعدالة.

و أعرب عن تفاؤله بإمكانية تحقيق تقدم في هذا المجال، مستشهداً بجهود العديد من الدول والمسؤولين والمدافعين عن الحقوق الذين يعملون على تطوير سياسات أكثر توازناً. ودعا المجتمع الدولي إلى توحيد الجهود لمواجهة التحديات الأمنية دون التخلي عن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية